محمد بن محمد حسن شراب

144

شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية لأربعة آلاف شاهد شعري

من قصيدة للنمر بن تولب الصحابي . أولها : سلا عن تذكّره تكتما * وكان رهينا بها مغرما . . . سلا : فعل ماض . وتذكره : مصدر مضاف ، وتكتما : اسم امرأة ، منصوب بالمصدر . والقصيدة عدة أبياتها 23 بيتا . من 1 - 20 : في الحكمة والموعظة . وفي الأبيات الثلاثة الأخيرة ترك ما كان فيه وسلك طريقا أخرى بلا مناسبة . ويذكر في الأبيات الثلاثة قصة غريبة ، لا عبرة فيها ولا حكمة ، ومنها البيت الشاهد : الذي يقول فيه : إنّ لقيم بن لقمان من أخته التي نام معها وهو لا يعلم ، فأنجبت لقيما ، فكان ابنا وابن أخت . وهي تشبه إلى حدّ بعيد القصة الإسرائيلية التي تزعم أن بنات لوط سقينه الخمر لينجبن منه . وقد نقل البغدادي في خزانته نقلا عن ابن حبيب ، والجاحظ في البيان والتبيين والعيني ، وجميعهم نقل ولم يضعّف أن أخت لقمان كانت عند رجل ، وكانت تنجب ضعافا فاتفقت مع زوج لقمان ، أن تسكر لقمان ، وتنام مع أخيها . وقيل إن لقمان لم يكن ينجب ، فاتفقت مع أخته أن تنام مع أخيها لتحمل منه ، وهذا يعني أن امرأة لقمان التي لم تكن تنجب . وقالوا : إن لقمان هذا الذي تذكره العرب ، هو لقمان بن عاد الأكبر ، وليس المذكور في القرآن . قلت : وهذه القصة الخرافية ، ما كان لهؤلاء الأدباء أن يذكروها ، وإذا ذكروها ، كان عليهم أن يكذبوها لأنها لا يليق ذكرها في تاريخ العرب ، ولا يليق وضعها على لسان الشاعر النمر بن تولب - بكسر اللام - الصحابي . وكان الأجدر بالبغدادي وهو الناقد الأدبي المجرب - أن ينفيها عن صاحبها وقد رأى أن الأبيات منقطعة عما قبلها ، ولكن عدّ هذا نوعا من البديع سماه ( الاقتضاب ) فهذه الأبيات مصنوعة ومزادة على قصيدة النمر بن تولب ، لأنها لا تجري مع سياق المعنى العام ولأنهم ذكروا أن النمر بن تولب عاش مئتي سنة ، وخرف ، وألقى على لسانه : انحروا للضيف أعطوا السائل ، أصبحوا الراكب ، فكان يقولها . قالوا : وألقى بعض البطّالين على لسانه « نيكوا الراكب » فكان يقولها . وهذا يعني أنه لم يكن يفهم ما يقول . وهم لم يعرفوا متى قال الشاعر هذه القصيدة ، فلعله قالها في أواخر عمره عندما خرف ، وربما قال أحد البطالين هذه الأبيات وأنشدها أمام النمر ، فزادها ورددها كما كان يعيد كل كلام يقال له . والأغلب ، أن واحدا من صنّاع الشعر قالها ، وزادها على القصيدة ، أو أنها لم تكن من القصيدة فرآها الرواة مشابهة الوزن والقافية فألحقوها بها . ومن العجيب أن النحويين تلقفوا هذه الأبيات